العيني

90

عمدة القاري

أي : الذي تجعله . قال ابن بطال : تجعل ، برفع اللام ، و : ما ، كافة كفت : حتى عن عملها . قوله : ( في في امرأتك ) أي : في فم امرأتك ، وأصل فم : فوه ، لأن الجمع : أفواه ، وعند الإفراد لا يحتمل الواو التنوين فحذفوها وعوضوا من الهاء ميما ، وقالوا : هذا فم وفمان وفموان ، ولو كان الميم عوضا من الواو لما اجتمعا . قوله : ( أخلف ) على صيغة المجهول ، يعني أخلف في مكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك ؟ قال أبو عمر : يحتمل أن يكون لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنك لن تنفق نفقة ، وتنفق فعل مستقبل ، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك . أو أظن ذلك فاستفهمه : هل يبقى بعد أصحابه ؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بضرب من قوله : ( لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ) . وهو قوله : ( إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحا إلاَّ ازددت به رفعة ودرجة ) ، وقال القرطبي : هذا الاستفهام إنما صدر من سعد ، رضي الله تعالى عنه ، مخافة المقام بمكة إلى الوفاة ، فيكون قادحا في هجرته ، كما نص عليه في بعض الروايات ، إذ قال : ( خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها ) . فأجابه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك لا يكون وإنه يطول عمره وقال عياض كان حكم الهجرة باقيا بعد الفتح بهذا الحديث وقيل إنما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح ، فأما من هاجر بعده فلا . قوله : ( إلاَّ ازددت به ) أي : بالعمل الصالح . قوله : ( ثم لعلك أن تخلف ) المراد بتخلفه طول عمره ، وكان كذلك عاش زيادة على أربعين سنة ، فانتفع به قوم وتضرر به آخرون . وقال ابن بطال : لما أمر سعد على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم فتاب بعضهم وأصر بعضهم فقتلهم ، فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون ، وحكى الطحاوي هذا عن بكير بن الأشج عن أبيه عن عامر أنه سأله عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول ، وأن المرتدين كانوا يسجعون سجعة مسيلمة ، قال الطحاوي : ومثل هذا لم يقله عامر استنباطا ، وإنما هو توقيف إما أن يكون سمعه من أبيه أو ممن يصلح له أخذ ذلك عنه ، واعلم أن كلمة : لعل ، معناها للترجي إلاَّ إذا وردت عن الله أو رسوله أو أوليائه ، فإن معناها التحقيق . قوله : ( اللهم أمض ) بقطع الهمزة ، يقال : أمضيت الأمر أي أنفذته أي : تممها لهم ولا تنقصها عليهم فيرجعون إلى المدينة . قوله : ( ولا تردهم على أعقابهم ) أي : بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالم المرضية ، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم . ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه : رجع على عقبه ، وحار . ومنه الحديث : ( أعوذ بك من الحور بعد الكور ) ، أي من النقصان بعد الزيادة . قوله : ( لكن البائس ) بالباء الموحدة ، وفي آخره سين مهملة ، وهو الذي عليه أثر البؤس . أي : الفقر والعيلة ، وقال الأصيلي : البائس الذي ناله البؤس ، وقد يكون بمعنى مفعول ، كقوله : * ( عيشة راضية ) * ( الحاقة : 12 ، القارعة : 7 ) . أي : مرضية . قوله : ( سعد بن خولة ) ، مرفوع لأنه خبر لقوله : ( البائس ) ، وعامة المؤرخين يقولون : ابن خولة ، إلاَّ أبا معشر ، فإنه يقول : ابن خولى ، وقال ابن التين : خولة ، ساكنة الواو عند أهل اللغة والعربية ، وكذا رواه بعضهم . وقل الشيخ أبو الحسن : ما سمعنا قط أحدا قرأه إلا بفتحها ، والمحدثون على ذلك ، قيل : إنه أسلم ولم يهاجر من مكة حتى مات بها ، وذكره البخاري فيمن هاجر وشهد بدرا وغيرها ، وتوفي بمكة في حجة الوداع كما ذكرناه . قوله : ( يرثي له ) أي : يرق له ويترحم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( إن مات ) ، بفتح الهمزة أي : لأنه مات بالأرض التي هاجر منها ، وهذا كلام سعد ابن أبي وقاص ، صرح به البخاري في كتاب الدعوات . وقال ابن بطال : وأما : ( يرثي له صلى الله عليه وسلم ) فهو من كلام الزهري ، وهو تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائس سعد بن خولة ) ، أي : رثي له حين مات بمكة ، وكان يهوى أن يموت بغيرها . ذكر ما يستفاد منه : قال أبو عمر : هذا حديث اتفق أهل العلم على صحة سنده ، وجعله جمهور الفقهاء أصلاً في مقدار الوصية وأنه لا يتجاوز بها الثلث ، إلاَّ أن في بعض ألفاظه اختلافا عند نقلته ، فمن ذلك ابن عيينة ، قال فيه عن الزهري : عام الفتح ، انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت ، وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ويونس بن يزيد وعبد العزيز ابن أبي سلمة ويحيى ابن سعيد الأنصاري وابن أبي عتيق وإبراهيم بن سعد ، فكلهم قال : عن ابن شهاب : عام حجة الوداع ، كما قال مالك ، وكذلك قال شعيب ، قال ابن المنذر : الذين قالوا : حجة الوداع ، أصوب . قال أبو عمر : وكذا رواه عفان بن مسلم عن وهيب بن خالد عن عبد الله بن عثمان عن عمرٍ وبن القارئ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة عام الفتح فخلف سعدا مريضا حتى خرج إلى جنين ، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه وهو وجع مغلوب ، فقال سعد : يا رسول الله إن لي مالاً . . . . ) الحديث ، والعمل على هذا الحديث أن أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث ، ويستحبون أن ينقص من الثلث . وقال الثوري : كانوا يستحبون في الوصية الخمس بعد الربع ، والربع دون الثلث ، فمن أوصى بالثلث فلم يترك شيئا ، فلا يجوز له إلاَّ الثلث ، وأجمع علماء المسلمين